يشرفنا أن نرحّب بالمحامية جنان عبده، وهي محامية، وباحثة، ومدافعة عن حقوق الإنسان، تقدّم الاستشارة القانونية للأسرى الفلسطينيين. تتخصص جنان في قضايا التعذيب، وتعمل في القسم القانوني في اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل. من خلال كفاءتها القانونية الواسعة والتزامها الراسخ بحماية حقوق الإنسان، لعبت دورًا محوريًا في توثيق ومواجهة الظروف القاسية والانتهاكات المستمرة لحقوق الأسرى داخل المعتقلات الإسرائيلية، بما في ذلك المعاملة القاسية التي تُشكّل تعذيبًا بموجب القانون الدولي. وقد تصاعدت هذه الانتهاكات منذ السابع من تشرين الأول 2023 ومع بدء الحرب على غزة، الأمر الذي يسلّط الضوء على الأطر القانونية والسياسية الأوسع التي تحكم معاملة الأسرى الفلسطينيين.
شكرًا لوقتكِ، جنان!
بدايةً، لماذا يُشار إلى الأسرى الفلسطينيين من قبل بعض الحقوقيين والمحامين على أنهم “أسرى سياسيون”؟
في سياق نضالات الشعوب، تُستخدم مصطلحات مثل “الأسرى السياسيين”، أو “أسرى الحرية”، أو “أسرى الضمير” لوصف المعتقلين الذين سُجنوا بسبب معارضتهم لأنظمة قمعية وعنصرية أو بسبب مقاومتهم للاحتلال. وتضع هذه المصطلحات اعتقالهم ضمن سياق أوسع، ضمن حركات التحرر التي تناضل ضد الظلم والاحتلال والاضطهاد. وينطبق الأمر ذاته على القضية الفلسطينية ونضال الفلسطينيين المستمر.
إن الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 يتمتعون بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني (ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الأول)، والذي يعترف بهم كأشخاص محميون، ويُضفي الشرعية على نضالهم لإنهاء الاحتلال. ومع ذلك، فقد أنشأت إسرائيل تصنيفًا قانونيًا موازيًا ضمن نظامها القانوني الوطني—من خلال قانون العقوبات لسنة 1977؛ وقانون مكافحة الإرهاب لسنة 2016؛ والأمر العسكري رقم 1651 (2009)، الذي يُطبّق في الغالب في الضفة الغربية—وذلك من خلال تصنيف هؤلاء المعتقلين بوصفهم “أسرى أمنيين”. ويهدف هذا التصنيف إلى نزع الطابع السياسي عن أفعالهم وتقويض مشروعيتها، وتجريدهم من صفتهم كمشاركين في نضال ضد الاحتلال، وتصنيفهم بدلًا من ذلك بوصفهم ما يُسمّى “أسرى أمنيين” لإظهارهم كتهديد لأمن الدولة ووجودها.
من خلال خبرتكِ، كيف تصفين الظروف القانونية والسياسية والمعيشية للأسرى الفلسطينيين، خاصة في السنوات الأخيرة؟
على مدى سنوات من العمل كمدافعة عن حقوق الإنسان، وباحثة، ولاحقًا كمحامية ضمن اللجنة، شهدتُ بشكل مباشر الظروف القاسية التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون. وهي ظروف تُصنّف في كثير من الأحيان على أنها معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة، بل وتصل إلى حدّ التعذيب. وقد أصبحت هذه الانتهاكات أشد بكثير منذ 7 تشرين الأول 2023. إذ تحوّلت جميع تلك الممارسات الوحشية إلى أشكال منهجية وقاسية من التعذيب، لم نشهد لها مثيلًا من قبل، من حيث الشدة والاتساع، في جميع السجون التي تديرها مصلحة السجون الإسرائيلية، وكذلك في مراكز الاحتجاز العسكرية.
لا يعني ذلك أن الوضع كان “مثاليًا” قبل أواخر عام 2023.
فمن خلال تصنيف الفلسطينيين كـ“أسرى أمنيين”، فرضت إسرائيل نظامًا صارمًا حرمهم من الحقوق الأساسية التي تُمنح عادةً للأسرى في الدول التي تعتبر نفسها ديمقراطية. ويؤدي هذا التصنيف إلى تمييز منهجي مقارنةً بالأسرى الجنائيين. فعلى سبيل المثال، كان الأسرى السياسيون يُحتجزون في أجنحة أو سجون منفصلة، معزولين عن السجناء الجنائيين، ويُحرمون من حقوق مثل الزيارات العائلية المباشرة (حيث تتم عبر الزجاج)، مما يمنع، على سبيل المثال، العناق بين الأسير وعائلته. وكانت الزيارات تقتصر فقط على الأقارب من الدرجة الأولى. أي أن من فقدوا والديهم، أو من كانوا عُزّابًا دون زوجة أو أطفال، فمن المرجح أنهم لم يكونوا يتلقون زيارات. كما حُرم الأسرى السياسيون الفلسطينيون تقييدات كثيرة في لقاء المحامين، وكانت اللقاءات تتم عبر الزجاج، وحُرموا من استخدام الهاتف، ومن الإجازات المؤقتة، ومن فرص العمل داخل السجن.
وحتى قبل الحرب على غزة، كانت الحياة اليومية للأسرى الفلسطينيين مقيّدة بشدة. فعلى سبيل المثال، لم يكن مسموحًا لهم باستخدام السكاكين العادية، وكان عليهم تقطيع الفواكه والخضروات باستخدام أدوات بلاستيكية. لا يمكن تصور فكرة تقطيع الخضروات أو الفواكه بسكين بلاستيكي. هذا، بطبيعة الحال، إذا كانت الفواكه متوفرة أصلًا، حيث لم تكن تُقدَّم لهم في كثير من الأحيان. ومع ذلك، حتى هذا القدر القليل لم يعد متاحًا. فضلًا عن ذلك، كانت الزنازين مكتظة للغاية؛ إذ يبلغ متوسط المساحة للفرد 3.5 متر، بينما يبلغ المتوسط في أوروبا ضعف هذا الرقم. ومن المؤسف أن المحكمة العليا الإسرائيلية قد أقرّت ذلك. وهناك أسرى كانوا يعيشون في خيام، كما في سجن كتسيعوت في النقب.
وقد تدهور الوضع بشكل كبير منذ 7 تشرين الأول 2023.
واستنادًا إلى زيارات السجون—بما في ذلك كتسيعوت، وسجن عوفر العسكري، وسجن “ركافت” (وهو سجن تحت الأرض في الرملة)، وسجن الدامون للنساء قرب حيفا—وكذلك من خلال شهادات مباشرة من الأسرى، واجهنا، أنا وزملائي، أدلة صادمة على التعذيب وسوء المعاملة الممنهجين. وتُرتكب هذه الأفعال من قبل حراس مصلحة السجون الإسرائيلية وكذلك الجنود العاملين في مراكز الاحتجاز العسكرية.
إن التعذيب الذي يُمارس بحق الأسرى يصعب وصفه. فعلى سبيل المثال، يُحتجز بعض الأسرى في ما يُسمّى “غرف الديسكو”—وهي أماكن مغلقة دون نوافذ، مليئة بضجيج شديد. ويُحتجز الأسرى الفلسطينيون فيها لساعات أو حتى أيام. وقد أفاد أحد موكليّ بأنه أمضى تسعة أيام في مثل هذه الظروف، مما جعله مرهقًا، ومشوشًا، ومنفصلًا تمامًا عن الإحساس بالزمن. كما تُستخدم الكلاب ضد الأسرى، حيث يُطرحون أرضًا بينما تدوسهم الكلاب، كما حدث مع العديد من الأسرى، بل مع معظم موكلينا.
وتشمل العقوبات الأخرى إجبار الأسرى على اتخاذ أوضاع مجهدة (مثل الوقوف مع رفع اليدين نحو الحائط) أو الوقوف على ساق واحدة لساعات او كليهما معا. وقد أفاد أحد الأسرى بأن الماء الساخن صُبّ عليه، مما تسبب له بحروق. كما تعرّض العديد منهم للعنف الجنسي والضرب على الأعضاء التناسلية. وغالبًا ما يُحرم الأسرى من الرعاية الطبية، مع عواقب وخيمة. ففي إحدى الحالات، تم بتر ساق أحد موكلي أثناء احتجازه فبعد تعرضه للضرب الشديد من قبل أحد الجنود، التهبت ساقه، وعانى من الألم وطلب العلاج، لكنه لم يحصل عليه.
تم الإعلان عن وفاة أحد الأسرى. وبعد أن طلبت مني زوجته المساعدة، تقدّمت بالتماس إلى المحكمة لمعرفة سبب الوفاة. بالاشتباه في أنه لم يتوفَّ وفاة طبيعية، طلبت ملفه الطبي، وتبيّن لي أنه فقد نصف وزن جسمه، ووصل إلى المستشفى فاقدًا للوعي ومصابًا بكسور في الأضلاع، رغم أنه لم يكن يعاني من أي أمراض سابقة قبل اعتقاله. علاوة على ذلك، تم حرمان الأسرى السياسيين عمدًا من ضوء الشمس، واحتجازهم في زنازين باردة ورطبة وسيئة التهوية. وغالبًا ما يواجه أولئك الذين يحاولون تقديم شكاوى مزيدًا من الانتهاكات والتهديدات من قبل الحراس.
وهناك انتهاكات لا تُحصى.
إن بعض السجون ومراكز الاحتجاز تقع حرفيًا تحت الأرض، مثل سجن “ركافت” في الرملة. وقد كان هذا المرفق مغلقًا لسنوات بسبب ظروفه غير الملائمة للمعيشة، إلا أنه أُعيد فتحه من قبل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. وعندما قمت أنا وزميلتي بزيارة الأسرى هناك، وجدنا أن حتى الغرفة المخصصة للمحامين (وهي أيضًا تقع تحت الأرض) كانت موبوءة بالحشرات. وإذا كانت غرفة المحامين في هذه الحالة، فليس من الصعب تصور الظروف داخل زنازين الأسرى. وقد أكّد لقاء الأسرى والاستماع إلى شهاداتهم شكوكنا بشأن الوضع والمعاملة داخل هذا السجن.
وبطبيعة الحال، لا توفّر المحاكم الإسرائيلية أي عدالة للأسرى الفلسطينيين.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك سماح المحكمة العليا الإسرائيلية باستمرار سياسة التجويع المتعمدة التي تنتهجها مصلحة السجون الإسرائيلية. فبعد خريف عام 2023، أفاد الأسرى الفلسطينيون بأن الطعام أصبح شحيحًا، وغير كافٍ من الناحية الغذائية، وغالبًا ما كان يُقدَّم لهم طعام فاسد. وقد عانى جميع الأسرى الذين أتابع قضاياهم من فقدان شديد في الوزن وسوء تغذية، حيث تراوح فقدان الوزن عادةً بين 20 و40 كيلوغرامًا.
وقد أكدت شهادات الأسرى الذين أُفرج عنهم في المراحل الأولى من الحرب على غزة أن هذه السياسة كانت متعمدة. ومع ذلك، فقد ثبت أن جمع الشهادات من الأسرى الذين ما زالوا محتجزين أمر بالغ الصعوبة. إذ طلب العديد من الأسرى عدم الكشف عن هويتهم، مما أدى إلى نقص كبير في الشهادات. وقد أعاق ذلك أيضًا الجهود الرامية إلى الطعن في السياسات من خلال التماسات فردية، ما دفع منظمات حقوق الإنسان إلى تقديم التماسات عامة دون أسماء. وكانت المحكمة العليا الإسرائيلية، استنادًا إلى اعتبارات إجرائية، ترفض هذه الالتماسات لعدم وجود “حالات فردية محددة”، مكتفيةً بتوجيه عبارات عامة إلى مصلحة السجون بضرورة العمل “وفقًا للمعايير القانونية” دون توضيح ماهية تلك المعايير. ولم تُلزم المحكمة العليا الإسرائيلية مصلحة السجون بتوفير غذاء كافٍ إلا في أيلول 2025. ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن سياسة التجويع لا تزال مستمرة.
ومن الأمثلة الأخرى على تقاعس المحكمة العليا الإسرائيلية في النظر في الطعن القانوني ضد تعديل عام 2023 لقانون “المقاتل غير الشرعي” لعام 2002. وقد خصّصت إسرائيل هذا القانون لتطبيقه على الفلسطينيين من قطاع غزة. ومن بين أكثر التعديلات قسوة التي أُقرت في أواخر عام 2023، زيادة مدة منع المعتقلين من لقاء المحامين من 21 يومًا إلى 180 يومًا. كما تم تمديد الحد الأقصى لمدة الاحتجاز دون أمر قضائي بشكل كبير، من 96 ساعة إلى 45 يومًا. ونتيجة لذلك، تمكنت إسرائيل احتجاز المعتقلين لأسابيع دون الإفصاح عن أماكن وجودهم أو ظروف احتجازهم، ودون تمكينهم من الوصول إلى المساعدة القانونية.
وفي أوائل عام 2024، قامت اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، مع منظمات حقوق إنسان أخرى ، بالطعن في تعديل عام 2023 من خلال تقديم التماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. ومنذ ذلك الحين، خضع القانون لسلسلة من التعديلات خلال السنوات الثلاث الماضية، وتم تمديده سبع مرات؛ وكان آخر تمديد حتى نهاية حزيران/يونيو 2026. وعندما سمحت مصلحة السجون ومراكز الاحتجاز العسكرية أخيرًا بالزيارات القانونية، اكتشفنا الحجم الكامل للتعذيب وسوء المعاملة التي تعرّض لها المعتقلون—وهي انتهاكات لا تزال مستمرة حتى اليوم.
وللربط مع السؤال الأول، فإن وصف “المقاتل غير الشرعي” هو في حد ذاته تصنيف سياسي يهدف إلى حرمان الأسرى من الحماية التي توفرها اتفاقيات جنيف لأسرى الحرب. وبموجب هذا القانون، احتجزت إسرائيل آلاف المدنيين من قطاع غزة، بمن فيهم النساء وكبار السن والأطفال. وقد أُفرج عن معظم هؤلاء لاحقًا. ووفقًا للسجلات الرسمية الإسرائيلية، فإن نحو 90% منهم كانوا مدنيين وليسوا مقاتلين. وعلى الرغم من ذلك، فقد تعرضوا للتعذيب والمعاملة اللاإنسانية، وكانت أعداد هذه الحالات وخطورتها صادمة.
هل يمكنكِ أن تشاركي ما هي التحديات التي تواجهينها أنتِ وغيرك من المحاميين؟
إن التحديات كبيرة للغاية، وقد تفاقمت منذ 7 تشرين الأول 2023، عندما أعلنت إسرائيل حالة طوارئ وأُغلقت السجون. بالإضافة إلى ذلك، تم فرض إغلاق كامل، ما يعني عدم الدخول أو الخروج من السجن. ويتم الإعلان عن هذا الإغلاق في كل مرة تدخل فيها إسرائيل حالة حرب، كما حدث في حزيران 2025، ومرة أخرى الآن منذ بدء الحرب مع إيران في أواخر شباط.
نواجه صعوبات كبيرة في زيارة الأسرى، بدءًا من عدم الرد على طلبات الزيارة، وصولًا إلى تحديد مواعيد زيارات بعد فترات طويلة—قد تصل إلى شهرين أو ثلاثة أشهر. وفي كثير من الحالات، يصل المحامون إلى السجن ليُفاجؤوا بإعلان “حالة الطوارئ”، مما يؤدي إلى إلغاء الزيارة. كما يحدث أحيانا تدخل غير قانوني في الوثائق التي نحملها وتفتيشها. وعند الدخول، تحدث تأخيرات في إحضار الأسرى، أو تُقيّد الزيارات بنصف ساعة فقط، وأحيانًا أقل، رغم أن القانون الدولي ينص على عدم وجود حد زمني للاستشارات القانونية.
وفي بعض الأحيان، يتدخل حراس السجن في المحادثات بطريقة تشكّل انتهاكًا خطيرًا لسرية العلاقة بين المعتقل ومحاميه. كما لا يوجد أي ضمان بأن هذه المحادثات غير خاضعة للمراقبة. وقد تم أيضًا تحويل جلسات المحاكم إلى جلسات عبر الفيديو، مما يمنع المحامين من مقابلة الأسرى شخصيًا وتقييم حالتهم، لا سيما للتحقق من وجود كدمات أو آثار تعذيب.
وعلاوة على ذلك، استهدفت مصلحة السجون بعض المحامين، حيث اتهمت عددًا من المحامين الفلسطينيين بـ“نقل رسائل من العائلات إلى الأسرى”، مثل التحيات أو الاطمئنان على أوضاع عائلاتهم. ونتيجة لذلك، فُرضت قيود على زيارات العديد من المحامين، ومنع بعضهم من لقاء الأسرى لأشهر. ويثير هذا الوضع قلقًا خاصًا في ظل حظر زيارات الصليب الأحمر والعائلات منذ أواخر عام 2023.
ذكرتِ في حديث سابق أنكِ تعتمدين توجه نسوي في عملكِ، هل يمكنكِ توضيح كيف يؤثر التوجه على عملكِ؟ وهل تكشف هذه الرؤية أبعادًا داخل السجون غالبًا ما يتم حجب النظر عنها في الخطاب القانوني السائد )مثل علاقات قوة او أدوار جندرية(؟
أنا إنسانة قبل أن أكون محامية. اخترت مهنة المحاماة انطلاقًا من إيماني بقيمة الحياة الإنسانية والكرامة. وأنا أيضًا أم وزوجة، وأفهم ما يشعر به كل من الأسيرات والأسرى، خاصة بعد أن حرمتهم إسرائيل من زيارات العائلة ومن أي وسيلة تواصل. أؤمن بأن الشخصي هو عام، وأن الشخصي هو سياسي. وبصفتي امرأة فلسطينية ذات منظور نسوي، لا يمكن فصل هذه الأبعاد عن بعضها البعض.
عند زيارتي للأسرى لتقديم الاستشارة القانونية ومتابعة قضاياهم، أنظر إلى الأمور من منظور امرأة وأم. فعلى سبيل المثال، عندما تخبرني أسيرة عن تعرضها لانتهاكات قائمة على النوع الاجتماعي—مثل حرمانها من الفوط الصحية وتأثير ذلك عليها وعلى الأسيرات الأخريات—فإن ذلك يساهم بشكل عميق في تشكيل فهمي. وبالمثل، عندما أزور أسيرة وأكتشف أنها موضوعة تحت مراقبة بالكاميرات على مدار 24 ساعة، بما ينتهك خصوصيتها كامرأة، أو عندما ألتقي بشابة في العشرينات من عمرها، في نفس عمر بناتي، فإن وعيي النسوي وهويتي يحضران بشكل حتمي. هويتي كمحامية تتشكل من هذه الخلفية، كما يتشكل منها التزامي بالدفاع عن حقوق الإنسان ومناهضة الظلم.
على مرّ السنوات، عملت على تأسيس مجموعات فلسطينية تُعنى بدعم النساء والأطفال الناجين من العنف، وتسعى إلى مواجهة هذا العنف والتصدي له. وفي الوقت ذاته، أُدرك هذه القضايا ضمن سياقها الاستعماري الأوسع، بما في ذلك دور الدولة الإسرائيلية التي “تفشل” في حماية النساء، وغالبًا ما تتعامل مع العنف الأسري باستخفاف، بينما تقوم في المقابل بتصدير الجريمة المنظمة إلى مجتمعاتنا و”تتجاهل” التعامل الحاسم معها، في حين تلاحق القضايا السياسية وتستهدف الناشطين بشكل فعّال.
إن عملي كمحامية هو جزء لا يتجزأ من نضالي الأوسع من أجل العدالة في مواجهة القمع والتعذيب والانتهاكات. فعندما أوجّه رسالة إلى إدارة السجون احتجاجًا على المعاملة المهينة لنا كمحامين، فإنني أتحرك من ذات المبادئ التي تدفعني لتقديم شكوى نيابةً عن أسير أو أسيرة.
تتجلى علاقات القوة بوضوح داخل السجون، وكذلك أشكال مقاومتها. فالسجّان أو الجندي—بغضّ النظر عن خلفيته أو ثقافته أو عمره—يستمد سلطته من زيه الرسمي، الذي يمنحه القدرة على السيطرة والقمع وممارسة الانتهاك بحق الأسرى. وغالبًا ما تُستخدم هذه السلطة بطرق مهينة ومؤذية، ترقى في كثير من الحالات إلى مستوى الجرائم. إن نظام السجون في جوهره قائم على الإكراه، وينتهك الخصوصية، ويُبنى على السيطرة وعدم تكافؤ علاقات القوة. وعندما يُنظر إلى المعتقل على أنه ينتمي إلى “العدو”، فإن ذلك يعزز من سلطة السجّان، بصفته ممثلًا لهذا النظام، لممارسة القوة بطرق سلبية وغير قانونية—غالبًا دون رقابة. وفي هذا السياق، نصبح نحن كمحامين عيون المساءلة.
فعلى سبيل المثال، عندما زرت أسيرتين وعلمت أنه تم نقلهما إلى زنزانة تحتوي على ثلاث كاميرات مراقبة بحجة فقدان الوزن، بادرت فورًا إلى التواصل مع إدارة السجن والمطالبة بوقف المراقبة، محذّرة من أنني سأتوجه إلى المحكمة إذا لزم الأمر. وأكدت أن هذا الإجراء غير قانوني وينتهك خصوصيتهن. وخلال زيارتي التالية، أخبرتني الأسيرتان أنه تم إيقاف تشغيل الكاميرات.
قد تبدو هذه أمورًا صغيرة، لكنها بالنسبة للأسرى تعني الكثير. فكل تحسّن، وكل إنجاز حتى— لو كان بسيطًا—في ظل هذه الظروف القاسية وغير الإنسانية، يترك أثرًا حقيقيًا في حياتهم.
بشكل عام، يساهم المنظور النسوي في عملي في كشف حدود الخطاب القانوني السائد، الذي يركّز غالبًا على الشكل القانوني الرسمي، متجاهلًا التجارب المعيشة داخل السجن. ومن خلال تسليط الضوء على النوع الاجتماعي، وعلاقات القوة، والممارسات اليومية للسيطرة، يَكشف هذا المنظور عن أشكال من الأذى—مثل الإذلال القائم على النوع الاجتماعي، والمراقبة، والحرمان—التي غالبًا ما يتم تغييبها في التحليل القانوني. وبهذا المعنى، يتيح لنا فهمًا أعمق وشاملًا لتجارب الأسرى، يتجاوز ما يعترف به القانون بشكل رسمي.
في 30 آذار 2026، صادق الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون يوسّع تطبيق عقوبة الإعدام. ما هي أبرز التعديلات التي جاء بها قانون الإعدام الجديد في إسرائيل، وكيف يؤثر على تطبيق العقوبة في المناطق المحتلة، وما مدى توافقه مع القانون الدولي؟
إن عقوبة الإعدام ليست جديدة في القانون الإسرائيلي، إذ كانت موجودة بالفعل، لا سيما في حالات الإبادة الجماعية والتجسس زمن الحرب، لكنها لم تُطبق ضد الفلسطينيين، ولم تُنفّذ أي أحكام إعدام منذ عام 1962. إلا أن القانون الجديد أدخل تعديلات على الإطار القانوني المطبق في الأراضي المحتلة—وخاصة الأمر العسكري رقم 1651—بحيث أصبحت عقوبة الإعدام إلزامية، وتُفرض بأغلبية بسيطة بدل الإجماع. ينطبق هذا الإجراء حصريًا على الفلسطينيين في الضفة الغربية، في حين لا يخضع له المستوطنون الإسرائيليون. كما تُلغي التعديلات صلاحية القائد العسكري في منح العفو أو تخفيف الأحكام إلى السجن المؤبد.
تشكل هذه التدابير انتهاكًا للقوانين والاتفاقيات الدولية المنطبقة على الأراضي المحتلة، إذ لا يُسمح للكنيست الإسرائيلية بالتشريع لتلك المناطق. وإضافة إلى ذلك، يقوم القانون الجديد بتعديل قانون العقوبات الإسرائيلي المطبق على المواطنين الإسرائيليين. ففي السابق، كان يمكن فرض عقوبة الإعدام في حالات قتل مواطن إسرائيلي على خلفية تُعرّف بأنها “إرهابية”. أما التعديل الجديد، فيغير التعريف ليشمل حالات القتل التي تُرتكب بدافع “إزالة وجود إسرائيل”. غير أن هذا التعريف لا يُطبَّق على أي يهودي يقوم بقتل مواطن فلسطيني من داخل إسرائيل أو فلسطيني من الأراضي المحتلة. وبناءً عليه، فإن هذا التعديل يعفي فعليًا الجناة اليهود من عقوبة الإعدام، سواء في إطار الأوامر العسكرية أو ضمن المنظومة القانونية المدنية.
إضافة إلى ذلك، يتسم هذا القانون بالقسوة والطابع التعسفي، ويتعارض مع التوجه الدولي والأوروبي نحو إلغاء عقوبة الإعدام، إذ إن جميع الدول الأوروبية قد ألغتها. كما أنه يتناقض مع التزامات إسرائيل تجاه الاتحاد الأوروبي، والتي تشترط احترام الحق في الحياة—وهو حق ينتهكه هذا القانون التمييزي والتعسفي.
ويتعارض هذا القانون كذلك مع العديد من المعايير الدولية، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، واتفاقية روما، واتفاقيات جنيف، واتفاقية لاهاي، والرأي الاستشاري بشأن القرار القانوني الناشئ عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وغيرها.
Janan Abdu is a lawyer, researcher, and human rights activist specializing in torture cases and working as a lawyer with the Public Committee Against Torture in Israel.
Khaled is working as a law clerk at the Higher Regional Court of Berlin. Prior to this, he worked as a research assistant at the Chair of European and International Law at the University of Potsdam. His research interests focus on international environmental law, the law of the sea, and the procedural law of international courts and tribunals. He is also a Managing Editor at Völkerrechtsblog.